ابن أبي الحديد

300

شرح نهج البلاغة

وليس الاسلام بمانع من بقاء الأحقاد في النفوس ، كما نشاهده اليوم عيانا ، والناس كالناس الأول ، والطبائع واحدة ، فأحسب انك كنت من سنتين أو ثلاث جاهليا أو من بعض الروم ، وقد قتل واحد من المسلمين ابنك أو أخاك ، ثم أسلمت ، أكان إسلامك يذهب عنك ما تجده من بغض ذلك القاتل وشنآنه كلا إن ذلك لغير ذاهب ، هذا إذا كان الاسلام صحيحا والعقيدة محققة ، لا كإسلام كثير من العرب ، فبعضهم تقليدا ، وبعضهم للطمع والكسب ، وبعضهم خوفا من السيف ، وبعضهم على طريق الحمية والانتصار ، أو لعداوة قوم آخرين من أضداد الاسلام وأعدائه . واعلم أن كل دم أراقه رسول الله صلى الله عليه وآله بسيف علي عليه السلام وبسيف غيره ، فان العرب بعد وفاته عليه السلام عصبت تلك الدماء بعلي بن أبي طالب عليه السلام وحده ، لأنه لم يكن في رهطه من يستحق في شرعهم وسنتهم وعادتهم أن يعصب به تلك الدماء الا بعلي وحده ، وهذه عادة العرب إذا قتل منها قتلى طالبت بتلك الدماء القاتل ، فان مات ، أو تعذرت عليها مطالبته ، طالبت بها أمثل الناس من أهله . لما قتل قوم من بنى تميم أخا لعمرو بن هند ، قال بعض أعدائه يحرض عمرا عليهم ( 1 ) : من مبلغ عمرا بان المرء لم يخلق صبارة ( 2 ) وحوادث الأيام لا * يبقى لها الا الحجارة ها إن عجزه أمة * بالسفح أسفل من أواره ( 3 ) تسفى الرياح خلال كشحيه وقد سلبوا إزاره فاقتل زرارة لا أرى * في القوم أمثل من زرارة .

--> ( 1 ) هو عمرو بن ملقط الطائي ، والأبيات في تاريخ ابن الأثير 1 : 335 ، ضمن خبره عن يوم أواره الثاني ، وهي أيضا في اللسان 6 : 111 . ( 2 ) الصبارة : الحجارة الملس ، كأنه يقول : ليس الانسان بحجر فيصبر على مثل هذا . ( 3 ) أول ولد المرأة يقال له زكمة ، والاخر عجزة .